المقريزي

280

إمتاع الأسماع

هذا لأحد من الناس أن يضعه ، لبطل معنى قول الله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) ( 1 ) ، ثم إن هذه الرواية الكثيرة لما انتشرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وافترق الصحابة في البلدان ، وجاء الخلف ، وقراء القرآن كثير من غير العرب ، ووقع بين أهل الشام والعراق ما ذكره حذيفة بن اليمان رضي الله عنه . وذلك أنهم اجتمعوا في غزوة أرمينية ، فقرأت كل طائفة بما روى لها ، فاختلفوا وتنازعوا حتى قال بعضهم لبعض : أنا كافر بما تقرأ به ، فأشفق حذيفة بما رأى منهم . فلما قدم حذيفة المدينة - فيما ذكر البخاري وغيره - دخل إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه قبل أن يدخل بيته فقال : أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك ، قال : [ في ماذا ] ؟ قال : في كتاب الله ، إني حضرت هذه الغزوة وجمعت ناسا من العراق ومن الحجاز ، ومن الشام ، فوصف له ما تقدم ، وقال : إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم كما اختلف اليهود النصارى ، قال عثمان : أفعل ، فتجرد الأمر واستناب الكفاءة من العلماء الفصحاء في أن يكتبوا القرآن ، ويجعلوا ما اختلف القراءة فيه على أشهر الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفصح اللغات ، وقال لهم : إذا اختلفتم في شئ فاكتبوه بلغة قريش . فمعنى هذا : إذا اختلفتم فيما روي وإلا فمحال أن يحملهم على اختلافهم من قبلهم ، فكتبوا في القرآن من كل اللغات السبع ، مرة من هذه ، ومرة من هذه ، وذلك مقيد بأن الجميع مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرئ عليه ، واستمر الصحابة رضي الله عنهم على هذا المصحف المتخير ، وترك ما سواه مما كان كتب تفسيرا ونحوه ، سدا للذريعة ، وتغليبا لمصلحة الألفة ، وهي المصاحف التي أمر عثمان رضي الله عنه أن تحرف أو تمزق . ألا ترى أن ابن مسعود رضي الله عنه أبي أن يزال مصحفه ؟ فترك ، ولكن أبى العلماء قراءته سدا للذريعة ، ولأنه روي أنه كتب فيه [ سورة ] ( 2 ) النساء على

--> ( 1 ) الحجر : 9 . ( 2 ) زيادة للسياق .